الشوكاني

17

فتح القدير

أضل منكم ، كما في قوله - أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل - الآية . وقال أبو علي الفارسي تقديره أتأمنون عقوبة الله ، وقيل التقدير : ألستم ظالمين . ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أقاويلهم الباطلة فقال ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا ) أي لأجلهم ، ويجوز أن تكون هذه اللام هي لام التبليغ ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا إليه لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة ، ولم يعلموا أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويصطفى لدينه من يشاء ( وإذا لم يهتدوا به ) أي بالقرآن ، وقيل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل بالإيمان ( فسيقولون هذا إفك قديم ) فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم كما قالوا أساطير الأولين ، والعامل في إذ مقدر : أي ظهر عنادهم ، ولا يجوز أن يعمل فيه " فسيقولون " لتضاد الزمانين : أعني المضي والاستقبال ولأجل الفاء أيضا ، وقيل إن العامل فيه فعل مقدر من جنس المذكور : أي لم يهتدوا به ، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ( ومن قبله كتاب موسى ) قرأ الجمهور بكسر الميم من " من " على أنها حرف جر ، وهي مع مجرورها خبر مقدم ، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو هي مستأنفة ، والكلام مسوق لرد قولهم ( هذا إفك قديم ) فإن كونه قد تقدم القرآن كتاب موسى ، وهو التوراة وتوافقا في أصول الشرائع يدل على أنه حق وأنه من عند الله ، ويقتضي بطلان قولهم . وقرئ بفتح ميم من على أنها موصولة ونصب كتاب : أي وآتينا من قبله كتاب موسى ، ورويت هذه القراءة عن الكلبي ( إماما ورحمة ) أي يفتدي به في الدين ورحمة من الله لمن آمن به ، وهما منتصبان على الحال . قاله الزجاج وغيره . وقال الأخفش على القطع ، وقال أبو عبيدة : أي جعلناه إماما ورحمة ( وهذا كتاب مصدق ) يعني القرآن فإنه مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة ولغيره من كتب الله ، وقيل مصدق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وانتصاب ( لسانا عربيا ) على الحال الموطئة وصاحبها الضمير في مصدق العائد إلى كتاب ، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا لمصدق ، والأول أولى ، وقيل هو على حذف مضاف : أي ذا لسان عربي ، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لينذر الذين ظلموا ) قرأ الجمهور " لينذر " بالتحتية على أن فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب : أي لينذر الكتاب الذين ظلموا ، وقيل الضمير راجع إلى الله ، وقيل إلى الرسول ، والأول أولى . وقرأ نافع وابن عامر والبزي بالفوقية على أن فاعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد ، وقوله ( وبشرى للمحسنين ) في محل نصب عطفا على محل لينذر . وقال الزجاج : الأجود أن يكون في محل رفع : أي وهو بشرى ، وقيل على المصدرية لفعل محذوف : أي وتبشر بشرى ، وقوله " للمحسنين " متعلق ببشرى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) أي جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة السجدة ( فلا خوف عليهم ) الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط ( ولا هم يحزنون ) المعنى : أنهم لا يخافون من وقوع مكروه بهم ، ولا يحزنون من فوات محبوب وأن ذلك مستمر دائم ( أولئك أصحاب الجنة ) أي أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم ( خالدين فيها ) وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم ، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام والاستقرار في الجنة على الأبد مما لا تطلب الأنفس سواه ولا تتشوف إلى ما عداه ( جزاء بما كانوا يعملون ) أي يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله وترك معاصيه ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) قرأ الجمهور " حسنا " بضم الحاء وسكون السين . وقرأ على والسلمي بفتحهما . وقرأ ابن عباس والكوفيون " إحسانا " وقد تقدم في سورة العنكبوت ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) من غير اختلاف بين القراء وتقدم في سورة الأنعام وسورة